السبت , نوفمبر 18 2017
الرئيسية / تأملات / نحن عمله

نحن عمله

يعلمنا الكتاب المقدس أننا نحن خليقة الله وعمل يديه (أفسس 2: 10)، وهذا واضح منذ خلق الله الإنسان، إذ عمله على صورته ومثاله، فيقول جليًّا: “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تكوين 1: 26). من هنا فالله يحب الإنسان، ذكرا وأنثى، لأنه خليقته وعمل يديه، ولا يجوز أن نشك في هذه الحقيقة، لا بل يقول “لذّاتي مع بني آدم” (أمثال 8: 31)، فالله يستمتع في العلاقة الشخصية مع البشر ويريدنا أن نقترب منه ونكون في حضرته دائما، كيف لا ونحن خليقته وعمل يديه المبدعة.
كي نقرّب حقيقة حب الله للبشر يكفي أن نشبّه ذلك بمحبتنا لأولادنا، كم نفرح لفرحهم وكم نتألّم لألمهم، فهم من لحمنا ودمنا، فلذات أكبادنا، فإذا كان الحال كذلك بيننا وبين بنينا فكم وكم عظيمة محبة الله لخليقته التي صنع على مثاله، وعندما خلق الله الإنسان سلّطه على كل شجر الجنة وكل المخلوقات الأخرى، مميّزا إياه عن الحيوانات والنباتات والطيور والزواحف.

المشكلة تبدأ، أو بدأت، عندما أخطأ الإنسان وعصى الله، وبالتالي دخلت الخطية في لحمنا ودمنا وأصبحنا أناسا خطاة فكسرنا القوانين الإلهية، وكل ذلك بعد أن “سمعنا” ثم “نصتنا” ثم “اقتنعنا” بنداء الشرير، عدو الخير إبليس، ثم “نسينا” أو “تناسينا” الوصية الإلهية ثم “اقتربنا” من الشجرة التي منع عنها الله، بخلاف كل شجر الجنة المصرّح أكله، ثم “استحسنّا” شكلها ثم “قطفنا” من ثمرتها ثم “أكلنا” منها فدخل سم الخطية إلى جوفنا ثم تغلغل في عروقنا، عندها أصبحنا عبيدا لخطية العصيان بعد أن خرقنا الوصية الإلهية.

نقول هذا الكلام كي نحاول فهم العلاقة المكسورة بين الإنسان والله، فالإنسان، نحن، من خرق العهد و”بادر” في إعلان العصيان والتمرد على الله بإرادتنا، والله بدوره “لا يستطيع” اقتحام إرادة الإنسان، ليس لأنه “لا يستطيع”، بل لأنه لا يريد ذلك، فالله خلقنا وخلق فينا عنصر الإرادة الذي من خلاله نختار ما بين السير مع الله أو مع الشرير، وإلاّ فسوف نصبح آليات مسيّرة معدومة الخيار كالجماد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإرادة الله لنا هي الخلاص من الشر والخطية والحياة معه إلى أبد الآبدين بأن نسير وراءه تابعين وصاياه وراجعين عن كل طرق رديّة.

في حواره مع اليهود أشار السيد المسيح إلى إبليس كالتالي (إنجيل يوحنا 8: 44):

“ذاك كان قتالا للناس من البدء، ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له، لأنه كذاب وأبو الكذاب.”

وفي الإصحاح العاشر من نفس الإنجيل يقول الرب عن إبليس (عدد 10):

“السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل”.

هناك حقيقة من المهم بمكان أول وأساس أن ندركها ونبقيها نصب عيوننا: إن العدو الأول والأخير لخليقة الله هو إبليس أو الشيطان أو عدو النفوس أو الشرير أو الكذاب وأبو كل كذاب وأسماء أخرى كثيرة. بكلمات أخرى، العدو الأول والأخير للإنسان ليس الإنسان، بل هو الشيطان، وهدفه الأول والرئيس هو إبادة خليقة الله ووضعها في جهنم، وهذا يفسّر الكثير الكثير من الظواهر والكوارث والحروبات والإرهاب والخطايا التي نراها في أيامنا على أشكالها وأنواعها ، فوراء كل هذه عدو مخفي لا نراه ويعمل جاهدا بلا توقف أو نعاس أو كلل أو ملل كي يبيد خليقة الله بشتى الطرق، وبولس الرسول يشير إلى هذه الحقيقة بشكل واضح في إحدى رسائله، موضّحا أن حربنا ليست مع دم ولحم بل مع أجناد الشر الروحية في السماويات (أفسس 6: 12).

من هنا، يستخدم هذا العدو المخفي شتى الوسائل لإبادة خليقة الله على الأرض ثم إلقائها في جهنم، كما يعلمنا السيد المسيح (متى 10: 28):

“ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم.”

إن إبادة خليقة الله تأتي بعدة طرق، ليس فقط بطريقة القتل المباشرة بل بطرائق غير مباشرة أيضا، مثل ضرب الخلية العائلية للمتزوجين وإبعاد فكرة الزواج لغير المتزوجين، ودس تعاليم سامة تطعن بالزواج المقدس معتبرة إياه فكرة قديمة لا تتلاءم والعصر الذي نعيشه، أو الابتعاد عن الزواج لأسباب أخرى مثل الهروب من الالتزام والأمانة المرتبط فيه، أو التي يتوجب أن ترتبط فيه. كل ذلك يؤدي إلى ضرب فكرة العائلة وإنجاب الأولاد وتربيتهم في جو طبيعي وصحي، مما يؤدي أيضا إلى إفساد المجتمع شيئا فشيئا، هذا من جانب، ومن جانب آخر نلاحظ “تكاثر” مجتمع المثليين، والذين يعتبرهم الكتاب المقدس بفاعلي ال-“فحشاء”، وتطور هذا “المجتمع” من شأنه أن يضرب بخليقة الله بشكل غير مباشر لانعدام القدرة على إنجاب الأطفال في الحالة المذكورة.

كما يعمل إبليس جاهدا كي يفني خلائق العلي ويلقيهم في جهنم، دورنا بل ومسؤوليتنا أن نُفشل خططه ضدنا، وذلك بالخلاص من الخطية والمحافظة على حياتنا من الشر ما دمنا في أرض الشقاء، وأن نضمن الحياة الأبدية لنعيش مع الله بعد انتقالنا من غربة هذه الحياة، ليس بدون عمل السيد المسيح فينا، هو القوة التي يمنحنا إياها الله كي نضمن الحياة على الأرض وفي السماء، لأننا إذا لم نفعل ذلك فإن هذا العدو المدعو إبليس سرعان ما سيقضي على البشر، كل البشر، إن آجلا أم عاجلا، ولن نسمح له بذلك.

شاهد أيضاً

النار

النار هي عملة ذات وجهين، الأول “مدمّر” والآخر “مطهّر”، فهي تحرق “الأخضر واليابس” فلا تبقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *