الإثنين , سبتمبر 25 2017
الرئيسية / اختبارات / شهادت سمير اسماعيل

شهادت سمير اسماعيل

وُلدت ونشأت في عائلة مسلمة محافظة وعندما كنت صغيراً في الدراسة المتوسطة كانت تزعجني كثيراً دروس الدين خاصة عندما يشرح المدرس عن كيفية انتشار الاسلام والفتوحات الاسلامية والمعارك التي خاضها محمد والخلفاء من بعده . حتى الصلاة قلما تجد فيها تغييراً في الاخلاق وانما دائماً نطلب فيها تغيير في الظروف . فشرح المدرس عن تلك التي يعتبرها بطولات تبدو امامي كأنها تشجيع على الحقد والكراهية والقتل والسلب والنهب .
ومرت الايام وبعد الدراسة الاعدادية أجبرت على الذهاب الى الجيش فأصبحت سائق دبابة وعندما أعلنت الحرب العراقية الايرانية ومنذ ساعاتها الاولى رفضت الحرب ، رفضت القتل رفضت الشر واخترت طريق المحبة والسلام فطريق المحبة والسلام في بلاد العراق طريق شاق ومتعب وخطر جداً فاختيار هذا الطريق يعني التعرض للسجن والتعذيب والإعدام.
عرضت على مجموعة من اصدقائي الجنود فكرتي بالهروب فلم اجد احد يرافقني هذا الطريق او يشجعني عليه فهربت وحدي وسلكت طريقاً متسللاً بين الوحدات العسكرية بين الالغام والقصف المدفعي حتى وصلت الى اهلي في مدينة الموصل باعجوبة لم اصدق نفسي كيف وصلت.
فوجئت عند وصولي البيت برفض اهلي احتوائي او السماح لي بالبقاء في البيت بل اجبروني على العودة الى الحرب والى القتل . لكني لم اتراجع عن قراري فقررت الهرب من البلاد كلها فاتجهت الى سورية . ففي ذلك الليل الموحش الممطر وانا احاول الهروب الى سورية تدخل الشيطان إله الشر فألقوا القبض عليَّ عند الحدود من قِبل اثنين من المزارعين البدو الذين اشترت السلطة في العراق ضمائرهم ، أشهروا عليَّ سلاحهم وأوثقوني حتى سلموني الى القوات الامن العراقية عند الحدود في مدينة (ربيعة) حيث مارسوا معي اشد انواع التعذيب حتى عصّبوا عيوني لكي يعدموني وبقيت انتظر لحظات إطلاق الرصاص للإعدام .
لم يفعلوا ذلك بل ارسلوني الى الاستخبارات العسكرية العامة في بغداد لمزيد من التعذيب ثم التقديم للمحاكمة العسكرية وبعد 16 شهراً من العيش في ذلك القبر دخلت قاعة المحكمة وفوجئت بحضور المزارعين الاثنين الذين ألقوا القبض عليَّ كشاهدين على جريمتي . وفي ذلك الموقف العصيب طلبت من الرب وقلت يا رب ساعدني فكانت المفاجئة التي اصبحت لغزاً يحيرني ان احد هذين الشاهدين هو اخرس واطرش فشهادته باطلة فجاء قرار المحكمة بالبراءة لعدم ثبوت الادلّة . ففي تلك اللحظة شعرت بمحبة الرب لي التي زادتني شجاعة وثقة .
أعادوني الى الجبهة والحرب لا زالت مستمرة ومرة أخرى الى الدبابة والى القتال . وتجربة الهروب الاولى لم تضعفني او تجعلني اعدل عن فكرتي بل زادتني إصرار وشجاعة وخبرة اكثر . فاتجهت وهذه المرة الى كردستان العراق فتسلقت الجبال وقطعت حقول الألغام فقد مشيت أكثر من 400 ميل من دهوك الى ايران وهناك وضعونا في معسكر لاجئين اشبه بالسجن طالبين منا تطبيق تعاليم الإسلام . فهربت من ذلك السجن ومن ايران باعجوبة قلما تحدث عبر صحراء بلوجيتان ثلاثة ايام وثلاثة ليال مشياً على الاقدام تعرضنا الى الجوع والعطش وأشرفنا على الموت لكن الرب اوصلني الى باكستان بسلام ، وفي باكستان عشت لمدة سنة مُشرداً لاجئاً الى ان هربت الى الهند وهناك كانت الحدود ملتهبة بين الهند والباكستان وطائفة السيخ المتمردين على الحكومة الهندية لكنني عبرت بكل امان الى الهند .
كنت اشعر ان الله دائماً معي لكن لم اعلم اين يريد ان يوصلني بذلك القارب قارب الامان والنجاة حتى وصلت الى كاتمندوا عاصمة النيبال الواقعة جنوب الصين فهناك في كاتمندوا تعبت كثيراً واصبحت مريضاً فبينما انا ذاهب الى المستشفى في كاتمندوا لأخذ العلاج التقيت بتلك الفتاة الانكليزية التي كانت تعمل ممرضة في المستشفى Christian Committee وتعيش في مجتمع مسيحي انه بيت كبير اسمه ديلر ام هاوس فيه اشخاص ما يقارب العشرة نساء ورجالاً ومن مختلف دول العالم لقد جاءوا الى تلك المدينة النائية مفرزين انفسهم لخدمة المسيح فكانوا يذهبون الى المستشفيات والسجون واحياء الفقراء للتبشير وخدمة المسيح . كانوا يخدمون الانسانية باسم المسيح فعرضت عليَّ تلك الفتاة بالذهاب الى ذلك التجمع والعيش فيه ولم اتردد لحظة واحدة بالذهاب الى ذلك البيت فذهبت اليهم واذ اجد نفسي بأنني وسط ناس لا يعرفون غير المحبة والسلام والتسامح ومساعدة الضعفاء وخدمة الانسانية باسم يسوع المسيح الذي بذل نفسه من اجل البشر . ففي ذلك البيت ولأول مرة عرفت ان إله المحبة الذي كان يساعدني دائماً هو المسيح الطاهر . فعلى الرغم من مرضي وتعبي النفسي والجسدي إلا انني استطيع ان اقول انني عشت احلى ايام حياتي في ذلك البيت ثلاثين يوماً وهم يتنافسون لمساعدتي وتقديم الدواء والسهر على راحتي .
في الصباح الباكر كنت استيقظ على رنان الجرس الصغير يدعونا جميعاً الى الفطور فنجلس حول المائدة مجتمعين وكأن المسيح جالس وسطنا بعدها نقوم بالترانيم ودراسة الكتاب المقدس ومن ثم يتفرقون كل واحد الى واجبه في زيارة مستشفيات ومصحات وسجون في خدمة الانسانية . في ذلك البيت تعلمت شيء اسمه المسيح والصلاة من اجل الاشخاص والصلاة عند الأكل والصلاة الربانية وموت المسيح من اجلنا ، لقد احبوني كثيراً لانني كنت مضطهداً ابحث عن المحبة والسلام . ترجوني كثيراً كي ابقى معهم فترة اطول الى درجة البكاء لكن الشيطان اوهمني بشيء اسمه الحرية وكأنها اعظم شيء في الوجود . فتركت ابناء المسيح ابناء المحبة لأفتش عن الحرية في السراب فغادرت النيبال الى تايلند بانكوك ولم تمضي مدة طويلة حتى وجدت نفسي مرة اخرى بين الموانئ والمحطات منهك القوى حتى جاءت اللحظة التي اصبحت فيها اتصرف بدون ارادتي مُجبر على العودة الى البلاد حيث الجريمة والقتل في كل مكان .
رجعت ولم ابالي لثقتي الكبيرة بمحبة المسيح التي سوف انالها في نهاية المطاف مهما سيّرتني الاحداث . وعندما وطئت اقدامي ارض الوطن اوثقوني وادخلوني دهاليز السجن والتعذيب في المخابرات العراقية ثم احالوني الى محكمة الثورة بعد ان الصقوا بي الفقرات والمادات التي تحكم بالإعدام .
دخلت قاعة المحكمة وكلي ثقة بمحبة ومساعدة الرب وجاء قرار الحكم بالسجن المؤبد 20 سنة فغمرتني سعادة لا وصف لها فدخلت السجن المركزي في ابو غريب قسم الاحكام الخاصة للسجناء السياسيين . مرت سنة واحدة في السجن وأرغمت الحكومة العراقية بإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين بعد ان اجبرتهم المقاومة الكردية عندما خطفت 8 من العراقيين الدوليين الذين حضروا ليشرفوا على وقف اطلاق النار بين العراق وايران .
خرجت من السجن وانا انسان جديد يغمرني فرح وشوق عميق للعودة الى ذلك البيت في كاتمندوا الذي شُيّدت اركانه على محبة المسيح . بدأت حرب الخليج الثانية عندما دخل العراق الكويت مع ثلاثين دولة ومرة اخرى انا عسكري والحرب قد بدأت لكن تجارب الماضي قد افادتني كثيراً فهربت من وحدتي ومن الجبهة ولجأت الى القوات الأميركية في جنوب العراق لكن السعودية انتقمت من اللاجئين العراقيين ووضعتنا في اقفاص صحراوية لا تصلح لعيش الحيوانات فقد امضيت 18 شهراً في ذلك المكان لكن الرب ساعدني كثيراً وصبّرني على تلك المأساة حتى جاءت الفرصة باللجوء الى امريكا ومرة اخرى تعرفت على ابناء المسيح ابناء المحبة الانجيليين الذين ساعدوني ان اسير واعيش مع المسيح مرة اخرى وانا شاكر الرب كثيراً لأنه لم ينساني ابداً بل افتقدني بنعمته وبمراحمه الابدية فنقلني من الظلمة الى النور ومن الموت الى الحياة . له المجد الى الابد.
سمير اسماعيل

شاهد أيضاً

توقيت الله

كان شاباً متديناً ، نشأ في عائلة مسيحية ، عُرِفَ بمواظبته على الذهاب الى الكنيسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *