الثلاثاء , أكتوبر 17 2017
الرئيسية / تأملات / الصلاة واحة الروح

الصلاة واحة الروح

تأليف الأخ نزار الياس

” اني لست رجلا اديبا, ولا عالما, انما احاول ان اكون رجل صلاة, فالصلاة هي التي انقذت حياتي
ولولاها لفقدت رشدي. واذا لم افقد سلامة النفس, رغم كل المحن, فلأن هذا السلام جاء فيَ من الصلاة. يستطيع المرء ان يعيش اياما دون طعام، ولكن ليس بدون صلاة، فالصلاة مفتاح الصباح
ومزلاج المساء, الصلاة عهد مقدس بين الله والبشر” (غاندي)
لاشك ان الأسم الذي ورد في نهاية هذه العبارة الرائعة يثير فينا الحياء والخجل, فهذا الرجل في مفهومنا هو وثني, ولكن سيرته وحياته ادهشت الملايين وفرضت احترامه حتى على اعدائه الذين يحبهم ولا يريد بهم الأذى! لا شك ان سرّ سلاحه هو الصلاة كما قال هو ايضا عن ذلك. الصلاة هي علاقة, وقوتها من قوة العلاقة ونقائها, وهذا نحس به في اللقاء. الصلاة هي استعداد للتجلّي يسبقه اماتات كثيرة اهمها الغفران! هي لقاء بين حبيبين احدهما الله! في هذا اللقاء يحصل انفعال وتفاعل, وصعود النفس والروح مع الكلمات مما يُشعِر الأنسان بانه يطير فوق المكان المتواجد فيه! في كل الاوقات والأماكن, حيث الحُب يضيع الزمان والمكان! التأمل, الذهول, الصمت في حضرة الله… نظرات الاعجاب بالطبيعة … كلها صلاة. في اللقاء ستكون حرارة الصلاة من حرارة الحُب! هناك عواصف وشتاءات وشرود ولكن هناك فرح في كل حين, الصلاة هي مقياس العمق الروحي. الأنسان يقدم ذاته في الصلاة كذبيحة حُب لله وسيقوم الروح القدس بدوره الفاعل والأساسي في تحويل دموعنا المنسكبة الى دم الذبيحة المراق وهكذا تكتمل ذبيحتنا على شاكلة المسيح الذي ذبح لأجلنا كعربون الُحُب اللامتناهي .لاشك اننا لاندرك اهمية وقيمة اللقاء بالله وهذا قد اوضحه الرسول بولس في رومية 26:8 ” وكذلك الروح ايضا يعين ضعفاتنا، لاننا لسنا نعلم ما نصلي لاجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بانات لا ينطق بها.” وفي ترجمة أخرى “لأنّا لانحسن الصلاة كما يجب ولكن الروح يشفع لنا بأنّات لاتوصف ,انه يشفع للقديسين بما يوافق مشيئة الله”. ان الصلاة لا تقوم على كثرة الكلام بل على وفرة الحُب ومن هنا تنبع صعوبتها! انها خروج الانسان من ذاته ودخوله في كيان الله ولهذا سيشعر المصلّي الحقيقي بالفرق في كيانه قبل بدئه الصلاة وبعد انتهائه منها كالفرق, مع الفارق طبعا, بين وضعنا قبل الاستحمام وبعد الاستحمام! وإلا فان الوقت الذي قضيناه في الصلاة هو وقت جاف, يابس, بارد, خالي من اي عاطفة او نشوة لقاء تجعل الأنسان يشعر بالوحدة والكآبة والملل, لا بل بفقدان الرجاء الذي سوف يخبو كثيرا بعد انهائنا صلاتنا, إذ سنشعر ان الكثير من الآمال التي توقعنا ان نجدها من خلال الصلاة قد خفتت نشوتها وتبخرت . الصلاة الحقيقية تجعل صاحبها يشعر بأنه يذوب في الله وهذا الذوبان هو نموذج مصغّر جدا جدا عما سيكون عليه المدعوون في الأبدية حيث سيكون هناك ذوبان كامل في كيان الله فيعيش المؤمن في الله ليكون الله كلّاً في الكل! ان الصلاة هي ليست مجال لقضاء وقت فراغ او القيام بعمل روتيني حاله حال الأكل والشرب بل هو استعداد لملاقاة ما لاتجسر الملائكة على النظر اليه من رهبته وقدسيته وجلاله! ومن هنا سيكون الأنسان مجرما بحق نفسه اذا استهان بهذا اللقاء المقدس الذي أكرمنا الله به من فيض محبته اللامتناهية. فنحن نستعد قبل اسابيع للقاء شخص مسؤول اومهم لابل نتفاخر بهذا اللقاء ونتحدث عنه طويلا بينما يمر لقائنا بالله خالق الكون مرورا عابرا؟
علينا اقصاء ضوضاء الحياة والعالم والاستكانة في حضرة الله وقت الصلاة ,لاشك ان الأفكار لن تتوقف وستتزاحم ودورنا هو ادخال كل هذه الأفكار والاهتمامات في بودقة الأهتمام الأول والأساسي الذي هو فكر المسيح, سنقوم بتطعيم هذه الأفكار من فكر المسيح. تطعيم الفكر بفكر سيجعل موقفنا اكثر ثباتا في الصلاة ,اخضاع كل الفكر والذهن والقلب لطاعة المسيح في الصلاة سوف يجعل الصلاة عيدا مبهجا, ان الشرود وتزاحم الأفكار المضادّة لروح المسيح هي نتيجة طبيعية جدا إذ ان وقت الصلاة كما قلنا ليس وقت لهو او قضاء فراغ بل وقت دق لطبول حرب يستعين فيها الأنسان بخالقه من اجل هزيمة عدوه الوحيد والشرس الذي لايعترف بهزيمة ولايقر باندحار بل هو يبقى متربصا بالأنسان طوال حياته منتظرا ساعة غفلة ينال بها منه. هكذا نرى أن جديّة الصلاة هي اساس بقائنا ثابتين واقفين فالقضية ليست لعبة او تمثيلية بل هي قضية حياة او موت فالأنسان بعد دخوله في المواجهة مع الشيطان سيخرج منها اما قاتلا ومنتصرا او مقتولا ومنهزما! من هنا نرى ان الفتور في الصلاة والبرودة في اللقاء مع الله هو اهانة لله بسبب عدم الأكتراث لوجوده معنا وهذا سوف يجعل الروح القدس حزينا فينا وقد يتركنا لنواجه خصمنا وحيدين وهذا يعني ببساطة خسارة وهزيمة ماحقة قد لاتقوم لنا بعدها قائمة! نحن في الصلاة نسعى ونجاهد للأرتقاء الى مقام ارفع واسمى من مقامنا المادي, انه اغتصاب للملكوت كما يسميه يسوع بنفسه! إذ اننا سنكون في الصلاة قد دخلنا جنة الله بوقوفنا في حضرته, ومن السذاجة بمكان تصورالشيطان غيرمبالي بالأمر وانه سيتركنا وشأننا ننعم بهذه النعمة, لذا فهو سوف يحاربنا بكل ما اوتي من حيل ودهاء ومكرعن طريق الأفكار المتزاحمة والشرود واثارة كل ما يحيط بنا سواء من الداخل او الخارج. ان الصلاة بصوت خافت يُسمَع ستكون مفيدة جدا في البداية وذلك حتى تُفَعّلْ الكلمات مرّتين, مرّة من القلب والثانية من اللسان, فالفكر ستصله الصلاة عن طريق السماع من الأذن وعن طريق القلب الصادرة منه. هناك طريقة لجعل الليل كلّه صلاة وهي تصميمي على ان اكون متواجد دوماً في حضرة الله في هذا السكون الذي يكون فيه الأنسان لوحده رغم كل المحيطين به! ان لقاء الحُب يحتاج الى خلوة فهي التي تبعث اللذة في اللقاء بينما الصخب والضجيج يكدرها ويفقدها عذوبتها! هكذا سنرى ان انتهاء الصلاة سوف لن يكون مبعث على الغبطة والراحة -الذي هو دليل ضعف الصلاة وبرودتها- بل شوق وتوق لو كان بأستطاعتي ان اطيل البقاء فترة اطول في احضان الحبيب!! ان الله هو كيان اصيل فينا وليس دخيل لذا فان الوقت هو ملكه كاملا وكل ماهو مستقطع خلال اليوم هو مستقطع من حق الله فينا. ان اشراك الله في كل افكارنا واعمالنا وطلب ارادته ومشيئته يساعد على تقوية الصلاة وتفعيلها, انها معرفة حقيقة الله للدخول في سرّ رؤية الله ومعرفة مشيئته وتتميمها فينا وجعلها طعامنا الحقيقي كما كانت طعام يسوع .الله هو المركز, انه مركز الثقل الذي يضمن الأستقرار والثبات في الحياة رغم كل الاهتزازات والاضطرابات. الصلاة الحارّة تصبح قربان لصاحبها وعطية صالحة يقبلها الله اكثر من العطايا الماديّة الأخرى لأنها تحوي المصداقية على النقاء التام في العطاء دون اية نية مبيتة للظهور والمجد الباطل او مدح الناس او محاولة رشوة الله بالصدقات كتكفير عن الآثام والخطايا او تبييض الأموال الحرام, إذ في الصلاة هناك اصغاء لصوت الله المتكلم فينا من خلال روحه القدوس بينما في الصدقات نحن المتكلمين والله هو الذي عليه ان يصغي! ان صوت الله هو دائما صوت عذب رقيق يلين القلب ويُغرق العيون بالدموع ويجعل النفَس عميق ونقي ,من الجيد هو اغماض العينين في اللقاء ولكن ليس لكي ننام اونغفو بل لكي نركّزاكثر كل حواسنا كما ان البطئ في قول الكلام يجعل الفم حلوا من خلال اعطائه الوقت الكافي للتذوق والتلذذ يالكلام والتنعم بحلاوته قبل اطلاقه! لاشك ان اشواك وهموم العالم كلها تعمل ضد الصلاة الحقيقية وتمنع الأنسان وتعيقه عن تقديم ذاته في الصلاة كرائحة بخور ذكية,هنا سيكون الأستعانة بالمعلم الأول للصلاة لزاما وواجبا اذ بدون الروح القدس ستكون الكلمات مجرد ذبذبات في الأثير فارغة من كل معانيها وقيمتها الروحية لذا سيكون السلام الداخلي الذي هو من ثمار هذا المعلم الصالح هو جواب الله لنا في حديثنا معه فنحن نسكب ذواتنا وهو يقدسّها,انه يعيد تشكيلنا في الصلاة وينيرنا الى ما هو جوهري كان خافيا عنّا بسبب هموم واشواك العالم. ان الوقت في المسيحية مقدس والوقت الذي يذهب سدى هو خسارة فادحة من الصعب تعويضها ويمكن تشبيهه بانسان يملك ارض صالحة للزراعة ومتوفرة لديه كل مقومات ومستلزمات زراعة هذه الأرض ولكنه قد ترك هذه الأرض غير مباليا بها ومقّدراً قيمتها, ستمر عليه سنين عديدة يفهم عندها كم ضيّع من الخيرات التي كان باستطاعته جنيها لو استغل الوقت الذي خسره في الكسل؟ الصلاة الحقيقية هي صليب لأنها جهاد ضد الخطيئة لذا يجب عدم الأستهانة بوقت الصلاة فهو ليس كوقت انتظار الباص اوالقطار بل هو وقت لتقديسنا وشحننا بطاقة تعيننا على الصمود بوجه المصاعب والملمات. لاشك ان العدو الأوحد للصلاة هو الشيطان وهو يعمل من خلال الخطيئة التي نقترفها والتي ستبعدنا عن الله وهذا هو الموت الذي حذّرنا منه يسوع اذ ليس له علاج البتة, فالأنفصال عن الله هو العائق الأكبر لصلاتنا وهو يؤدي الى هلاك محتم لامفر منه لذا علينا الأنتباه واليقظة التامة لهذا الأمر الجلل. هناك اسباب توضح لنا لماذا لايستجيب الله احيانا لصلواتنا منها.
1-“إن تعهدتُ اثما في قلبي لايستمع لي الرب” مزمور18:66
2-“من اصمَّ اذنه عن صراخ المسكين ,يصرخ هو ايضا ولامن مجيب” امثال13:21
3- “انما خطاياكم اضحت تفصل بينكم وبين الهكم وآثامكم حجبت وجهه عنكم فلم يسمع” اشعيا 2:59
4- “وانتم ايها الأزواج ,إذ تساكنون زوجاتكم عالمين انهن اضعف منكم اكرموهن باعتبارهن شريكات لكم في وراثة نعمة الحياة لكي لايعوق صلواتكم شيء” 1بطرس7:3
5- “لايتوهم المتردد انه ينال شيئا من الله” يعقوب7:1
6- “اذا طلبتم منه شيئا فأنكم لاتحصلون عليه لأنكم تطلبون بدافع شرير إذ تنوون ان تستهلكوا ما تنالوه لأشباع شهواتكم فقط” يعقوب3:4
هكذا نفهم جيدا جدا ان “طلبة البار تقتدر كثيرا في فعلها”.يعقوب 16:5 لذا عند صلاتنا علينا ان لانصدر امرا لله بل نشكو له امرنا من خلال البارقليط الحاضر فينا للمساعدة وعلينا ان ندرك ان الصلاة العميقة هي ثمينة في عيني الله فالأنسان هو كالأرض احجاره الكريمة في اعماقه يصعب استخراحها من دون جهود,واخيرا ياخوتي اقول ان المسيحي هو كطائر البطريق لايستطيع ضبط نفسه عن الغناء والتسبيح والترنم للرب…آمين

شاهد أيضاً

النار

النار هي عملة ذات وجهين، الأول “مدمّر” والآخر “مطهّر”، فهي تحرق “الأخضر واليابس” فلا تبقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *