الجمعة , أبريل 28 2017
الرئيسية / أسرة / تنشئة الاولاد

تنشئة الاولاد

لعل الحديث اليوم عن التنشئة المسيحية السليمة لأطفالنا بات ضرورة ملحة، بسبب تدهور في الأخلاق والقيم، وفتور في الإيمان. إننا نهتم ونحاول أن نلحق بعجلة التقدم ومواكبة العصر وتحدياته، ونخطط لحياتنا الأفضل، مع ذلك نتغاضى عن الجزء الأهم فيها وهو تربية أطفالنا وتنشئتهم مسيحيًا وتنميتهم سلوكيًا وأخلاقيًا. فماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر أولاده. او ماذا يعطي الانسان فداء عن أولاده.
للأطفال مكانتهم العظيمة في الكتاب المقدس، فهم “كفروع زيتون حول ألمائدة (مزمور 128: 3). كما أن الرب يسوع أكد أن لمثلهم ملكوت السموات. وحتى لا نسمح لأطفالنا بأن يكونوا كريشة في مهب الريح بدت ضرورة التربية والتنشئة المسيحية السليمة كمقومات أساسية في بناء سلوكية الطفل وتحديد مساره في المستقبل. إن تنشئة الأطفال وتربيتهم هي الحجر الأولى والأهم في بناء المجتمع الذي نعيش فيه. أن تشكيل سلوك الأطفال وشخصيتهم لا يقع على عاتق الوالدين فقط بل للكنيسة والمجتمع دور ليس بأقل اهمية.أ) دور الوالدين: يقول بولس الرسول “وانتم ايها الاباء لا تغيظوا اولادكم بل ربوهم بتاديب الرب وانذاره” (أفسس6: 4). فالهدف من التربية الحازمة وتأديب الوالدين هو معاونة اولادهم على النضج وليس لأذيتهم أو تثبيط هممهم. فالمعاملة السيئة للأطفال هي السبب الرئيسي في قتل روح الإبداع والتفكير لديهم، وانتشار المشاكل التي نعاني منها في مجتمعاتنا من أمية وجهل وانحلال الأخلاق. تربية الأولاد ليست أمرًا هيناً، فهي تستلزم صبرًا كثيرًا لتنشئتهم تنشئة ملؤها المحبة وإكرام المسيح. وأهم المعوقات التي تواجه تربية الأطفال:
1. إنعدام ثقافة التشجيع والتأنيب لدى الأهل، فمن المفروض تشجيع الطفل عند القيام بأي خطوة، ليكون لديه حافز لزيادة التفكير والإبداع، وفى حالة الوقوع فى الخطأ من المهم تأنيبه ومعاقبته، ويكون العقاب ليس بالقسوة. هناك قول مأثور لمارتن لوثر عن التشجيع والتأنيب: “صحيح أنك إذا استغنيت عن العصا فانك تفسد الطفل، ولكن ضع تفاحة إلى جوار العصا لتعطيها له عندما يُحسن”. التوبيخ والتأديب هم ضروريات في التربية السليمة. اعمل على ان تشعر الطفل بأن اساس التوبيخ هو المحبة، وأن التوبيخ يخص السلوك فقط وليس الفرد.
2. الإساءة إلى الأطفال بمنعهم عن أمور بحجة إنها كانت غير مسموحة في عهد الوالدين، ناسين بأن الأمور تتغير، وان عادات جيل من الأجيال ليست هي عادات الجيل الآخر.
3. عدم مشاركة الأطفال فى الأعمال المنزلية بحجة صغر سنهم، وتلبية كل احتياجات الطفل، وعدم مشاركة الأطفال فى تحمل المسئولية. فإعطاء الوالدين الطفل الإحساس بذاته، وأنه له قيمة منذ طفولته، ومشاركته مع الأسرة فى كل الأعمال المرتبطة بالمنزل، لها مردود كبير في اعتماده على ذاته وثقته بالنفس مستقبلا.
4. على الآباء أن يكونوا قدوة لأبنائهم في منظور الحياة المسيحية: “كن قدوة للمؤمنين فى الكلام فى التصرف فى المحبة فى الروح فى الإيمان فى الطهارة” (1تى 12:4). فلا يكفي أن نعلم لأبنائنا حقيقة إيماننا بل أن نعيش تلك الحقيقة أمامهم. فالمسيحية هي حياة يعيشها الآباء فليتقطها منهم الأبناء، لينقلوها بدورهم إلى الأحفاد.
5. انهماك الأولياء بتوفير الأمور الجسدية والمادية، الحياة ليست مأكل وملبس ووظيفية.  فإن قمتم بهذا فقط، فأي فضل تصنعون، أليس العالم كله يفعل هذا أيضًا.
6. على الأولياء أن يكونوا أمناء وصبورين ومثالا أعلى للمحبة لدرجة تتألق فيها التضحيات بصورة مستمرة، فالوالدين هم وكلاء عن اللـه وأداة في يده لتربية أبناءه.
7. غرس الفضائل والقيم الاخلاقية في الأبناء واختبار طاعتهم لها. بعض الأولياء يشتمون ويسبّون ويستخدمون كلمات بذيئة وينتظرون من أولادهم أن يفعلوا الحسنات وأن يكونوا قويمي اللسان.
8. تعريف الأبناء وإرشادهم إلى كلمة اللـه عن طريق القصص وقراءة الكلمة والصلاة. “وانك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة ان تحكمك للخلاص بالايمان الذي في المسيح يسوع” (2تيمو3: 15).
9. الأوامر والنواهي ليست هي دائمًا ما تجعل أبنائنا يطيعوننا ويحبوننا. فعلى الوالدين أن يقدموا في شخصهم الصديق الذي يصغي ويُرشد ويوجه الطفل ويعيش أحاسيسه ومشاكله، وكذلك يشاركه في كل أنشطته. يستطيع الأطفال تفسير معالم الحب من ملامح الوجه ونبرة الصوت ورقة التعامل واسلوب المحادثة، وكلما لجأ الوالدين إلى أساليب القهر والضغط للحصول على طاعة الطفل كلما أدى ذلك إلى سيطرة سلبية وزرع التعاسة في نفسية الطفل وعدم الآمان.
10. ان كثير من الأهل ينشغلون بأنفسهم بتحقيق طموحاتهم وينسون مشاكل أبنائهم. والبعض الآخر يترك مسئولية التربية على عاتق الزوجة وحدها. تربية الطفل لا يمكن أن تتم على يد طرف واحد، فكلا الطرفين، الأب والأم مسئولين ويكمل أحدهم دور الآخر في تربية وتنشئة أطفالهم. كما أن التفاهم بين الوالدين على الأساليب التربوية والاتفاق عليها قدر الإمكان يسهل من تطبيق المفاهيم التربوية والأخلاقية التي يطمح الوالدين أن يغرساها في شخصية أطفالهم. على الوالدين تجنب قدر الإمكان أثر اختلاف مواقفهم أو وجهة نظرهم في مواضيع تخص أسرتهم امام أطفالهم، وأن يناقشا أمورهم على انفراد بعيدًا عن مسمع أولادهم.
ب) دور الكنيسة: على الكنيسة أن تسأل نفسها دائمًا: “ماذا نحاول أن نهيء لأبنائنا؟ وماذا نعلم أولادنا؟”
1. للكنيسة دور فعّال في تقويم سلوك الأطفال الروحي وتعميق كلمة اللـه في حياتهم، وإمدادهم بالتعليم الكتابي الضروري لتنشئتهم روحيًا مما يجعل منهم أعضاء صالحين وفعّالين في الكنيسة مستقبلا. لذا على الكنيسة أن تتجدد بأفكارها وتصور نفسها كالأم التي تحتضن أبنائها وتعزز روح المحبة بينهم وتجهزهم بالغذاء الروحي. الكنيسة المتجددة والتي تقوّم مسارها دائمًا وتعايش روح العصر وضرورياته هي الكنيسة الأقرب إلى قلوب الأطفال. وهذا لا يعني تغيير العقيدة أو المساس بروح الإيمان القويم، بل تغيير المنهاج والسلوك بما يناسب لغة العصر ومتطلباته، لا أن تجعل خمرًا جديدة في زقاق عتيقة.
2. إن إرساء مبادئ التربية والتعليم المسيحي للأطفال والتشديد عليه ودعمه بكل السبل هو من أهم الأعمال التي على الكنيسة القيام بها. وهذا ما يتطلب إعداد كادر تعليمي مؤمن أولا وذو معرفة وخبرة بالكتاب المقدس ثانيا.
3. التكثير من النشاطات الترفيهية للأطفال والتي تتضمن في محتواها وجوهرها أيضًا كلمة اللـه وبأسلوب يجعل الطفل لا يحسّ بالملل او الضجر أثناء المشاركة فيها. هذا ما يجعل الطفل يعيش طفولته في الكنيسة وفي نفس الوقت تتوفر الفرصة له بالتقرب من الكنيسة وأفكارها دون أن يشعر بنوع من التعقيد أو الإكراه على التعليم.
4. إن التوفيق بين دور الأهل والكنيسة في التربية المسيحية ضروري جدًا مما يعزز الإيمان في قلب الطفل، لا أن يعيش الطفل حياة بعيدة تمامًا عن مشيئة اللـه في البيت ويظن الوالدين بأن دور الكنيسة سيفي بغرض التعليم المسيحي لأطفالهم. هذا يجعل الطفل يعيش دوامة صراع مستمر مع مبادئ يتعلمها من أحد الطرفين (العائلة أو الكنيسة) ولا يعيشها أو يجدها في الطرف الآخر. إن على الوالدين أن يتخذوا دورًا تشجيعيًا تحفيزيًا نحو الكنيسة، ودور الكنيسة سيكون بالتالي دورًا تجاذبيًا يرسي ويثبت المبادئ التي تعلموها في البيت وتعمقها بالمعرفة والعلم وبشكل منهجي.
5. على الكنيسة أن تحث الوالدين خلال الوعظات أو من خلال اللقاءات العائلية على دورهم في تربية وتنشئة وتعليم أطفالهم، وجعل مسيحيتهم فعل وحياة وخبرة عملية. والتشديد على نقطة أساسية في حياتهم وهي أن الأبوة الأرضية هي صورة الأبوة السماوية، وعلى الأولياء أن يتشبهوا بمحبة ورحمة وحنان الآب السماوي تجاه اولادهم وتجاه البشرية كلها.
ج) دور المجتمع: إن للمجتمع والبيئة والمحيط الذي يعيش فيه الطفل تأثير عميق وفعّال في حياته وتكوّن شخصيته، فالإنسان منذ نعومة أظفاره يتأثر وينفعل بما يجري حوله من ممارسات. فيكتسب مزاجه وأخلاقه والكثير من ممارساته من المحيط أو البيئة التي يعيش فيها. فالمدرسة، الأصدقاء، المجتمع ووسائله الإعلامية وعاداته واسلوب حياته، الأثر المباشر والكبير على سلوك الطفل وكيفية تفكيره.
قد يظن البعض بأننا نستطيع التغاضي عن دور المجتمع في تنشئة أبنائنا روحيًا، وذلك بقوقعتهم وتقليص علاقتهم مع المحيط الخارجي قدر الإمكان. وهذا ما يزرع حب الفضول في الأطفال وانفرادهم في اختبار ممارسات وعادات غير سليمة دون دراية الأولياء ومراقبتهم عن كثب. كما أن منح الحرية بإفراط قد يُعد من أهم المخاطر التي تواجه الطفل لدى اختلاطه بالمحيط الخارجي، حيث إن إمكانية الطفل في السيطرة على الحرية الزائدة محدودة، لذا لا ينبغي أن يُمنح الحرية التي هي فوق قدرته في التعامل.اعداد: فريد شحادة
أخصائي نفسي

شاهد أيضاً

نظرة ايمانية نحو التخلف العقلي

بقلم نزار الياس اهدي جهودي المتواضعة هذه الى أحبائي المعوقين عقليا والى اهاليهم والى كوادر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *